قصص من قلب الميدانالسبت، 03 أكتوبر 2026 / erbil - kurdistanللتواصل والتعاون
عثمان الشلشصحفي | راوي قصص

عثمان في كل مكان

تعرّف عليّ ↖
المقالات / من دفتر الصحفي

عثمان الشلش : العراق ليس بحاجة إلى أن يصبح نسخة من أحد

لا نريد بلقنةً تجعل الجغرافيا بديلاً عن الوطن، ولا لبننةً يصبح فيها تعدد مراكز النفوذ أقوى من مؤسسات الدولة، ولا صوملةً يفقد فيها المواطن يقينه بأن هناك دولة تقف خلفه، ولا سودنةً يتحول فيها الصراع على السلطة إلى صراع يهدد أصل الدولة، ولا أفغنةً يصبح فيها العراق ساحة مفتوحة لتنافس الآخرين.

عثمان الشلش : العراق ليس بحاجة إلى أن يصبح نسخة من أحد
صورة توضيحية للمادة

لا نريد بلقنةً تجعل الجغرافيا بديلاً عن الوطن، ولا لبننةً يصبح فيها تعدد مراكز النفوذ أقوى من مؤسسات الدولة، ولا صوملةً يفقد فيها المواطن يقينه بأن هناك دولة تقف خلفه، ولا سودنةً يتحول فيها الصراع على السلطة إلى صراع يهدد أصل الدولة، ولا أفغنةً يصبح فيها العراق ساحة مفتوحة لتنافس الآخرين. ولا عزلةً تجعل العراق يعيش في مواجهة دائمة مع محيطه والعالم.

لكن قبل كل ذلك، لا نريد أن نخسر العراق من الداخل.

وهنا تحديداً يجب أن تُفهم العلاقة بين بغداد وأربيل بعيداً عن لغة الشك.

الكرد ليسوا طارئين على العراق، ولا هم تفصيلاً يمكن وضعه في هامش الدستور ثم تجاوزه عند أول أزمة سياسية.

لهم تاريخهم، ولهم تضحياتهم، ولهم تجربتهم السياسية، ولهم إقليمهم الذي أصبح جزءاً من البنية الاتحادية للعراق. وفي الذاكرة الكردية محطات طويلة من الصراع والدم والتهجير والأنفال وحلبجة، كما في الذاكرة العراقية كلها صفحات مؤلمة لا يجوز أن تُمحى لأنها لا تناسب خطاب اللحظة.

ومن حق الكرد أن ينظروا إلى بغداد وهم يريدون شراكة حقيقية، لا مجرد اعتراف موسمي بهم.

ومن حق أربيل أن تطالب بحقوق الإقليم التي كفلها الدستور، وأن تدافع عن مصالح شعبها، وأن تحافظ على خصوصيتها السياسية والثقافية.

وفي المقابل، من حق بغداد أن تطلب دولة متماسكة، ومؤسسات اتحادية محترمة، وعلاقات واضحة بين المركز والإقليم.

هذه ليست معادلة «بغداد ضد أربيل».

بل هي، في جوهرها، محاولة لبناء عراق يستطيع فيه العربي والكردي أن يكونا عراقيين من دون أن يُطلب من أي منهما التخلي عن نفسه.

وأنا، كعراقي سنّي، لا أرى في قوة كردستان تهديداً لي.

على العكس، أرى أن عراقاً يطمئن فيه الكرد إلى حقوقهم هو عراق يستطيع فيه السنّي أن يطمئن إلى حقوقه أيضاً.

لا أريد عراقاً يخاف فيه مكوّن من قوة مكوّن آخر.

أريد عراقاً تكون فيه القوة السياسية نتيجة للدستور والانتخاب والمؤسسات، لا نتيجة للخوف.

ولهذا فإن الدفاع عن حقوق الكرد ليس تنازلاً عن حقوق السنّة، كما أن الدفاع عن حقوق السنّة ليس خصومة مع الكرد.

وإذا كان العراق قد تعلم شيئاً من سنواته الصعبة، فيجب أن يكون هذا الدرس تحديداً:

أن حقوق العراقيين لا تُقسم على أساس أن ما يحصل عليه واحد منهم يخسره الآخر.

هذا البلد يتسع للجميع.

بل ربما لا يبقى عراقاً من دون الجميع.


والخروج من هذه المرحلة لا يعني أن نغلق أبواب العراق أمام العالم.

العراق يحتاج إلى أميركا، ويحتاج إلى أوروبا، ويحتاج إلى جواره العربي، ويحتاج إلى علاقات متوازنة مع تركيا وإيران وسائر دول المنطقة.

لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى أن يعرف أين تقف مصلحته الوطنية.

لا أن يصبح تابعاً لمحور.

ولا أن يدخل في خصومة مع محور آخر.

فالعراق الذي يمتلك موقعاً جغرافياً بهذا الحجم لا يستطيع أن يعيش كجزيرة.

وفي الوقت نفسه، لا يستطيع أن يكون جسراً يعبره الآخرون فوق سيادته.

هذه هي المعادلة الصعبة.

أن يكون العراق منفتحاً من دون أن يكون مستباحاً.

وصديقاً للجميع من دون أن يكون تابعاً لأحد.

وقوياً من دون أن يتحول إلى دولة مغلقة.


لقد تغيرت المنطقة كثيراً.

وسوريا، بما مرت به من حرب وتحولات وتدخلات، تقدم تجربة تاريخية ثقيلة لا يصح اختزالها في صورة واحدة.

ولبنان يقدم تجربة أخرى.

والسودان تجربة أخرى.

وأفغانستان تجربة أخرى.

والصومال تجربة أخرى.

لكن العراق ليس مطالباً بأن يخاف من أن يصبح واحداً منها.

هو مطالب بأن يتعلم من الجميع.

أن يأخذ من لبنان درس التعدد من دون أن يسمح بتعدد مراكز القرار.

ومن كردستان درس التمسك بالهوية والحقوق من دون تحويل الاختلاف إلى قطيعة.

ومن تجارب الحروب الأهلية درساً واحداً: لا شيء يستحق أن يخسر الوطن من أجله.

ومن تاريخه هو، قبل تاريخ الآخرين، درساً أكثر وضوحاً:

كل مرة ظن فيها العراقيون أن إقصاء الآخر سيمنحهم دولة أكثر أمناً، كانت النتيجة مزيداً من الخوف.

ولهذا فإن العراق بعد رحيل التحالف أمام فرصة لا ينبغي إضاعتها.

أن يصبح القرار عراقياً فعلاً.

لا قرار واشنطن.

ولا قرار طهران.

ولا قرار أنقرة.

ولا قرار أي عاصمة أخرى.

ولكن أيضاً لا قرار طائفة واحدة، ولا حزب واحد، ولا فصيل واحد، ولا قومية واحدة.

القرار العراقي يجب أن يكون أكبر من الجميع.

هذه هي السيادة التي تستحق أن تُبنى.

فالدولة لا تصبح قوية عندما يخاف منها مواطنوها.

تصبح قوية عندما يثق بها مواطنوها.

والعراق لن يحتاج عندها إلى أن يسأل: هل أصبحنا لبنانيين؟ هل أصبحنا صوماليين؟ هل أصبحنا سودانيين؟ هل أصبحنا أفغاناً؟

سيكون السؤال أبسط وأجمل:

هل أصبحنا عراقيين بما يكفي لنختلف من دون أن نتقاتل، ونتنافس من دون أن نلغي بعضنا، ونحفظ خصوصياتنا من دون أن نحطم وطننا؟

ذلك هو الاختبار.

والعراق، بكل ما فيه من تناقضات، ما زال يملك فرصة النجاح.

ليس لأنه يشبه الآخرين.

بل لأنه يستطيع أن يتعلم منهم، ثم يختار طريقه بنفسه.

العراق لا يحتاج إلى أن يكون نسخة من أحد. يحتاج فقط إلى أن يبقى عراقاً يتسع لكل أبنائه.

اقرأ أيضًا