عثمان الشلش : بعد ساكو… من يحمي المسيحيين؟
هناك رجال دين يكتفون بالمذبح. وهناك رجال دين يعرفون أن الكنيسة لا يمكن أن تغلق بابها على نفسها عندما يكون الوطن كله في خطر. الكاردينال لويس روفائيل ساكو كان من هؤلاء.

لم يكن جنرالاً، ولم يحمل سلاحاً، ولم يكن لديه حزب أو ميليشيا أو كتلة برلمانية تحرسه. كان يملك شيئاً أكثر بساطة وأكثر صعوبة في العراق: الكلمة.
قال ما اعتقد أنه يجب أن يُقال، حتى عندما لم يكن الكلام مريحاً لأحد.
وعندما كان المسيحيون يغادرون العراق واحداً بعد آخر، لم يتعامل مع الهجرة كأنها مجرد أرقام في تقرير سكاني. كان يرى وراء كل عائلة عراقاً صغيراً يُغلق بابه.
وراء كل قرية مهاجرين.
وراء كل كنيسة فارغة ذاكرة كاملة.
لهذا، فإن استقالة ساكو من منصب بطريرك بابل للكلدان، التي قبلها البابا ليو الرابع عشر في آذار 2026، ليست مجرد انتقال من موقع كنسي إلى آخر. ساكو قال بنفسه إنه قاد الكنيسة في ظروف شديدة الصعوبة، وحافظ على وحدتها، ودافع عن حقوق العراقيين والمسيحيين. (Vatican News)
قد تنتهي ولاية رجل.
لكن الأسئلة التي حملها معه لا تنتهي.
من يحمي المسيحي العراقي؟
ومن يضمن أن يبقى سهل نينوى مكاناً يعيش فيه الناس، لا ساحة تتنافس عليها القوى السياسية والأمنية؟
ومن يقول بوضوح إن المسيحي العراقي ليس بحاجة إلى ميليشيا تحمل اسمه كي تحميه؟
هذه الأخيرة ربما هي أكثر القضايا حساسية.
لأن المسيحي لا يحتاج إلى من يحتكر الحديث باسمه، ولا إلى من يحمل السلاح باسمه، ولا إلى من يحوّل خوفه إلى نفوذ سياسي.
المسيحي يحتاج إلى دولة.
دولة تقول له: أنت عراقي، وحقك محفوظ لأنك مواطن، لا لأن هناك جهة مسلحة قررت أن تكون وصياً عليك.
وهنا أفهم لماذا كان ساكو يصطدم.
لم يكن يريد أن تتحول الكنيسة إلى واجهة سياسية، ولا أن يتحول المسيحيون إلى مشروع قوة مسلحة.
كان يرى أن خلاص المسيحيين لا يكون بميليشيا مسيحية في مواجهة ميليشيا أخرى.
الخلاص يكون بأن تتوقف الدولة عن ترك المواطنين لمعادلات السلاح.
وهذا ليس موقفاً ضد المسيحيين الذين اضطروا إلى حمل السلاح في لحظة من لحظات الخطر، ولا إنكاراً للتضحيات التي قدمها أبناء هذه المكونات.
لكن السلاح الذي يولد من الخوف لا يمكن أن يصبح بديلاً دائماً عن الدولة.
وإذا تحول الدفاع عن المسيحيين إلى تجارة سياسية، فسيكون المسيحي أول الخاسرين.
⸻
ساكو لم يكن معصوماً من الخطأ.
ولا هو فوق النقد.
وهذا تحديداً ما يجعل الدفاع عن تجربته أكثر صدقاً.
يمكن الاختلاف معه في مواقف، وفي طريقة إدارة الكنيسة، وفي قرارات اتخذها.
لكن من الصعب إنكار أنه وضع قضية المسيحيين العراقيين في قلب النقاش الوطني، ولم يقبل أن تختصر المسألة في طقوس دينية أو احتفالات موسمية.
كان يقول، عملياً، إن المسيحيين جزء من العراق، لا ضيوفاً عليه.
وهذه ليست جملة صغيرة.
العراق الذي عرف المسيحيين قبل الدولة الحديثة، وقبل الحدود الحالية، وقبل كثير من الأنظمة التي تعاقبت عليه، لا يستطيع أن يتعامل معهم كأنهم أقلية طارئة.
المسيحي العراقي ليس مهاجراً في بلده.
وهذه الحقيقة يجب أن تُقال بلا خوف.
⸻
حين دخل تنظيم داعش إلى الموصل وسهل نينوى، لم تكن الكارثة سقوط مدن فقط.
كان هناك اقتلاع للناس من بيوتهم.
عائلات حملت ما استطاعت وحاولت الوصول إلى مكان آمن.
وأربيل، في كردستان، فتحت أبوابها أمام أعداد كبيرة من النازحين المسيحيين.
في تلك السنوات، لم تكن كردستان مجرد عنوان جغرافي بالنسبة إلى كثير من المسيحيين.
كانت مكاناً آمناً.
كان الطفل الذي خرج من سهل نينوى يجد مدرسة.
والعائلة التي خرجت من الموصل تجد بيتاً مؤقتاً.
والرجل الذي ترك أرضه كان يستطيع أن ينام ليلاً من دون أن يسأل نفسه إن كان سيُقتل لأنه مسيحي.
هذه الذاكرة يجب ألا تُمحى.
وكردستان، كانت جزءاً مهماً من قصة إنقاذ المسيحيين العراقيين بعد داعش.
ولهذا، فإن مستقبل المسيحيين لا ينبغي أن يتحول إلى صراع بين بغداد وأربيل.
لا بغداد تستطيع أن تتخلى عن مسؤوليتها.
ولا كردستان ينبغي أن تُحمّل وحدها مسؤولية حماية مكوّن عراقي أصيل.
المسيحيون ليسوا ملفاً تفاوضياً بين الطرفين.
هم أبناء العراق.
⸻
لكن المشكلة لم تنتهِ بانتهاء داعش.
الإرهاب قد يتراجع، لكن الخوف يبقى.
والبيت الذي أعيد بناؤه لا يعني بالضرورة أن صاحبه عاد بقلبه.
في آذار 2026، حذر ساكو من أن أي تصعيد عسكري يصل إلى سهل نينوى قد يؤدي إلى نزوح جديد، وأن كثيراً من المسيحيين قد لا يعودون إذا اضطروا إلى الرحيل مرة أخرى. (Vatican News)
هذه ليست مبالغة.
العراقي الذي هُجّر مرة، ثم عاد، ثم هُجّر مرة أخرى، قد يقرر في المرة الثالثة أن يذهب إلى مكان لا يعود منه.
وهنا نخسر المعركة من دون رصاصة.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للمسيحيين ليس فقط أن تُهدم كنيسة.
الأخطر أن يفقدوا الثقة بأن هناك مستقبلاً لهم في العراق.
⸻
ومن هنا أفهم أيضاً موقف ساكو من القوى المسلحة التي حاولت تقديم نفسها ممثلاً للمسيحيين.
المسيحيون ليسوا جماعة تحتاج إلى «حامي» دائم.
ولا ينبغي أن تتحول مأساتهم إلى ذريعة لبناء نفوذ سياسي أو عسكري باسمهم.
لقد دفعت الطوائف العراقية ثمناً باهظاً عندما أصبحت الهويات الدينية جسوراً إلى السلاح.
والمسيحيون لا يحتاجون إلى تكرار التجربة نفسها.
يكفي أن نسأل سؤالاً بسيطاً:
هل نريد أن يعود المسيحي إلى بيته، أم نريد أن يبقى رهينة لمن يقول إنه يحميه؟
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين المواطنة والوصاية.
⸻
في عام 2023، خرج ساكو من بغداد بعد سحب مرسوم رئاسي كان يعترف بموقعه البطريركي، وبقي أشهراً في كردستان قبل أن يعود إلى بغداد عام 2024 بدعوة من رئيس الوزراء. وكانت الأزمة في جوهرها مرتبطة بصراع سياسي حول موقع الكنيسة ودورها، وبخلافه مع شخصيات وقوى مسلحة مسيحية. (AP News)
يمكن قراءة تلك المرحلة سياسياً بطرق مختلفة.
لكن هناك حقيقة لا ينبغي أن تضيع وسط الصراع:
حين يشعر رجل دين يمثل كنيسة تاريخية أن موقعه الديني أصبح ساحة للتجاذب السياسي، فإن الخاسر في النهاية ليس الرجل وحده.
الخاسر هو معنى استقلال الكنيسة.
وهو أيضاً شعور المسيحي بأن لديه مؤسسة دينية تتحدث عنه من دون أن تكون مدينة بالولاء لهذا الحزب أو ذاك.
⸻
اليوم، لم يعد ساكو بطريركاً.
استقال بإرادته، وقال إنه يريد أن يتفرغ للصلاة والكتابة والخدمة. (Vatican News)
واختارت الكنيسة الكلدانية بطريركاً جديداً.
وهذه سنة الحياة.
لا رجل يبقى إلى الأبد.
لكن ما تركه ساكو خلفه ليس الكرسي.
ترك سؤالاً.
ماذا فعلنا بالعراق الذي كان فيه المسيحي جزءاً طبيعياً من المشهد؟
ماذا فعلنا بالموصل؟
ماذا فعلنا بسهل نينوى؟
وماذا فعلنا بكل تلك العائلات التي غادرت ولم تعد؟
⸻
أنا لا أعتقد أن المطلوب أن يأتي «ساكو جديد».
هذه ليست القضية.
المطلوب ألا يحتاج المسيحي إلى ساكو كي يُسمع صوته.
هذه هي الدولة التي نريدها.
دولة لا تحتاج إلى بطريرك يصرخ حتى تتذكر أن هناك مسيحياً عراقياً.
دولة لا تحتاج إلى نزوح جماعي حتى تتذكر سهل نينوى.
دولة لا تحتاج إلى ميليشيا حتى تقول إنها تحمي مكوّناً.
ودولة لا تسمح لأي قوة، مهما كان اسمها أو هويتها، بأن تقول للمسيحي: نحن حُماتك.
لا.
القانون هو الحامي.
المؤسسات هي الحامية.
والجيش والشرطة، عندما يكونان للدولة وحدها، هما من يحميان المواطن.
أما الأحزاب والفصائل، فمكانها السياسة، لا احتكار أمن الناس.
⸻
وهنا تحديداً أقول إن دعم ساكو لا يعني أن نتفق معه في كل شيء.
دعم ساكو، بالنسبة لي، يعني الدفاع عن فكرة أكبر منه:
أن الكنيسة يجب أن تبقى كنيسة.
وأن المسيحي يجب أن يبقى مواطناً.
وأن سهل نينوى يجب أن يبقى وطناً، لا منطقة نفوذ.
وأن كردستان يجب أن تبقى جزءاً من الحل، لا طرفاً في مشكلة جديدة.
وأن بغداد وأربيل تستطيعان أن تفعلا للمسيحيين شيئاً أعظم من الحماية المؤقتة: أن تضمنَا لهم مستقبلاً.
⸻
البابا ليو الرابع عشر قال في نيسان 2026، خلال لقائه أساقفة الكنيسة الكلدانية، إن الكنيسة لا ينبغي أن تكون إلى جانب من يحملون السلاح أو يطلقون القنابل، وشدد على أن لا قضية تبرر سفك دم الأبرياء. (Vatican News)
ربما لا تحتاج المسألة إلى أكثر من هذه الفكرة.
لا نريد كنيسة تحمل السلاح.
ولا نريد مسيحياً يحمل هوية مقاتل حتى يثبت أنه عراقي.
نريد مسيحياً يصلي، ويعمل، ويفتح محله، ويزرع أرضه، ويرسل أبناءه إلى المدرسة، ويحتفل بعيد الميلاد في قريته، ويعود إلى بيته من دون أن يسأل: من يسيطر على المنطقة اليوم؟
هذه هي الحياة الطبيعية.
وهذه هي الدولة الطبيعية.
⸻
ساكو غادر الكرسي.
لكن المسيحيين لم يغادروا السؤال.
ومن حقهم أن يسألوا:
من يحمينا؟
والجواب الذي يجب أن نعطيه لهم ليس اسم بطريرك، ولا اسم حزب، ولا اسم ميليشيا.
الدولة.
وإذا لم تستطع الدولة أن تكون جواباً، فكل كلام آخر سيكون مؤقتاً.
لأن العراق لا يخسر المسيحيين في يوم واحد.
يخسرهم عائلة بعد عائلة.
بيتاً بعد بيت.
جرساً بعد جرس.
حتى يأتي يوم نبحث فيه عن المسيحي العراقي في الصور القديمة.
عندها لن تكون المشكلة أن ساكو رحل.
ستكون المشكلة أن العراق نفسه لم يعرف كيف يجعل أبناءه يبقون.
وربما لهذا، فإن أفضل وفاء لتجربة ساكو ليس أن نبحث عن ساكو آخر.
بل أن نبني عراقاً لا يحتاج فيه المسيحي إلى ساكو كي يشعر أنه محمي.
عراقاً يقول له، ببساطة:
**ابقَ.
هذا بيتك.**

