عثمان الشلش : العراق بعد رحيل التحالف من يضمن أن يبقى الوطن للجميع؟
في العراق، لا تمرّ لحظة سياسية كبيرة من دون أن تستدعي معها ذاكرة قديمة. ولهذا، فإن خروج قوات التحالف الدولي من البلاد لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تغيير في انتشار القوات الأجنبية، أو نهاية مهمة عسكرية بدأت قبل سنوات لمواجهة تنظيم «داعش». خلف المشهد العسكري سؤال عراقي أعمق بكثير: ماذا سيفعل العراقيون ببلدهم عندما تصبح مسؤولية الأمن والسياسة والقرار الداخلي والخارجي في أيديهم بصورة أكبر؟

في العراق، لا تمرّ لحظة سياسية كبيرة من دون أن تستدعي معها ذاكرة قديمة.
ولهذا، فإن خروج قوات التحالف الدولي من البلاد لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تغيير في انتشار القوات الأجنبية، أو نهاية مهمة عسكرية بدأت قبل سنوات لمواجهة تنظيم «داعش». خلف المشهد العسكري سؤال عراقي أعمق بكثير: ماذا سيفعل العراقيون ببلدهم عندما تصبح مسؤولية الأمن والسياسة والقرار الداخلي والخارجي في أيديهم بصورة أكبر؟
هناك من يرى في الرحيل استعادة كاملة للسيادة، وهذا مفهوم ومشروع.
وهناك من ينظر إليه بعين أخرى، لا اعتراضاً على مبدأ السيادة، وإنما خوفاً من الفراغ الذي قد تتركه إعادة ترتيب موازين القوى.
وبين الموقفين يقف المواطن العراقي.
ذلك المواطن الذي لم يعد يريد أن يكون بلده ساحة لتصفية الحسابات، ولا يريد أن تكون هويته سبباً في تحديد مقدار الأمان الذي يحصل عليه.
العراق خرج من حرب قاسية مع تنظيم «داعش»، ودفع ثمناً هائلاً. مدن دُمّرت، وقرى هُجّرت، وعائلات فقدت أبناءها، ومكونات كاملة عاشت واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخها الحديث.
لكن العراقيين، وهم يطوون صفحة الحرب على التنظيم، يواجهون سؤالاً آخر لا يقل أهمية:
هل يستطيع العراق أن يحافظ على تعدده عندما تتغير موازين القوة؟
السؤال لا يستهدف مكوّناً بعينه.
بل على العكس.
ربما يكون من الظلم أن يُنظر إلى الشيعة في العراق باعتبارهم مصدر المشكلة لمجرد أنهم يمثلون الأغلبية العددية. العراق بلد ذو غالبية شيعية، وهذه حقيقة اجتماعية وسياسية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تهمة.
لكن الأغلبية، كما هي حق، تحمل مسؤولية أيضاً.
مسؤولية طمأنة الآخرين.
وهنا تكمن قيمة التجربة العراقية إذا أراد العراقيون فعلاً بناء دولة مختلفة عن كل ما عرفوه في المنطقة.
أن يشعر الشيعي بأن دولته تحميه، وأن يشعر السنّي بالأمان نفسه.
أن يكون للكردي شعوره بخصوصيته وحقوقه وشراكته، من دون أن يشعر العربي بأن هذه الخصوصية تنتقص من عراقيته.
أن يعرف المسيحي أن العراق وطنه، لا المكان الذي ينتظر فيه مصيراً مجهولاً.
وأن يشعر الإيزيدي بأن ما حدث له لن يتكرر، وأن الدولة لن تتذكره فقط عندما تقع الكارثة.
وأن يعرف التركماني أن وجوده في هذا البلد ليس هامشاً في دفتر الخلافات بين الآخرين.
هذه ليست معادلة سهلة.
لكن العراق، بكل تاريخه، لم يكن يوماً بلداً بسيطاً.
والكرد تحديداً ليسوا تفصيلاً عابراً في القصة العراقية.
من الصعب أن تكتب تاريخ العراق الحديث من دون أن تكتب معه تاريخ الحركة الكردية، وتضحيات البيشمركة، وتجربة إقليم كردستان، وكل التحولات التي جعلت من الفيدرالية جزءاً أساسياً من شكل الدولة العراقية بعد 2003.
ومن الإنصاف أيضاً القول إن كثيراً من الكرد ينظرون إلى بغداد من زاوية مختلفة عن نظرة بغداد إلى أربيل؛ ليس بالضرورة بسبب رغبة في الانفصال أو القطيعة، وإنما بسبب تراكم طويل من التجارب والوعود والخلافات حول السلطة والثروة والأمن والحدود الدستورية للصلاحيات.
وهذه الخصوصية تستحق أن تُفهم، لا أن تُعامل دائماً باعتبارها مشكلة.
وفي المقابل، فإن للعرب السنّة أيضاً ذاكرتهم الثقيلة.
سنوات الإرهاب، ثم الحرب عليه، ثم التغييرات السياسية والأمنية التي أعقبتها، تركت شعوراً لدى قطاعات واسعة منهم بأنهم انتقلوا من موقع الدولة الموحدة إلى موقع الدفاع المستمر عن موقعهم داخلها.
والحديث عن هذه المخاوف لا يعني تبرئة أحد من أخطاء الماضي، ولا تجاهل الجرائم التي ارتكبت باسم السنّة أو باسم غيرهم.
لكن المصالحة الحقيقية تبدأ عندما يستطيع الإنسان أن يتحدث عن خوف جماعته من دون أن يُطلب منه أولاً تقديم اعتذار عن هويته.
أنا، كعراقي سنّي، لا أحتاج إلى أن أختار بين احترام خصوصية الكرد وبين الدفاع عن حقوق السنّة.
ولا أرى أن مناصرة حق الكرد في شراكة حقيقية داخل العراق تعني الانتقاص من حقي أو حق أبناء المكوّن السنّي.
العراق أوسع من هذه المعادلة الصفرية.
حقوق الكرد لا تأتي على حساب السنّة.
وأمان السنّة لا يأتي على حساب الشيعة.
ووجود المسيحيين لا ينتقص من المسلمين.
وحماية الإيزيديين لا تحتاج إلى خصم من حقوق أي مكوّن آخر.
هذه هي الفكرة التي يجب أن تخرج من العراق إلى العالم: لسنا مضطرين إلى أن نختار بين عراقي وآخر حتى نحافظ على العراق.
لكن الخوف الذي يتحدث عنه بعض العراقيين اليوم لا يتعلق فقط بشكل الدولة على الورق.
العراق لديه دستور، ولديه برلمان، وحكومة، وقوات مسلحة، ومؤسسات أمنية، وإقليم اتحادي، وانتخابات.
المشكلة الأكثر حساسية تكمن في شيء آخر: من يملك النفوذ الفعلي عندما تتعارض المؤسسات مع موازين القوة؟
وهنا يصبح الحديث عن السلاح أكثر أهمية من الحديث عن الشعارات.
الدولة التي تريد أن تطمئن مواطنيها جميعاً تحتاج إلى أن يكون القرار الأمني واضحاً، وأن يعرف المواطن أين تبدأ الدولة وأين تنتهي القوى الأخرى.
ليس المقصود بذلك مهاجمة طرف أو مكوّن، ولا إنكار دور أي قوة قاتلت «داعش».
العراقيون يعرفون جيداً من قاتل التنظيم، ويعرفون حجم التضحيات التي قُدمت.
لكن الحرب انتهت في صورتها الكبرى، ويبقى السؤال: ماذا نفعل بالسلاح والسلطة بعد انتهاء الحرب؟
هذه ليست مسألة تخص الشيعة وحدهم.
وهي ليست مسألة يخشاها السنّة وحدهم.
وهي ليست هاجساً كردياً فقط.
إنها مسألة دولة.
فكلما كان مركز القرار واضحاً، تراجعت حاجة المواطنين إلى البحث عن حماية خارج مؤسسات الدولة.
وكلما ضعفت الدولة، عاد العراقي إلى عشيرته أو طائفته أو قوميته أو حزبه بحثاً عن الأمان.
وهكذا تبدأ الدائرة من جديد.
أما الحديث عن «ولاية الفقيه»، فيحتاج إلى شيء من الدقة.
العراق ليس إيران، ونظام الحكم العراقي مختلف دستورياً وسياسياً عن النظام الإيراني.
لكن بعض العراقيين يستخدمون هذا التعبير للتعبير عن خشيتهم من أن تتحول العلاقة بين الدين والسياسة، أو نفوذ القوى المرتبطة إقليمياً، إلى نموذج يضيّق مساحة القرار الوطني.
هذا الخوف، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، لا ينبغي السخرية منه.
وفي المقابل، لا ينبغي تحويله إلى اتهام جماعي للشيعة العراقيين أو للأحزاب الشيعية.
فشيعة العراق ليسوا كتلة سياسية واحدة، كما أن سنّة العراق ليسوا كذلك، والكرد ليسوا كتلة واحدة، ولا المسيحيون ولا التركمان ولا الإيزيديون.
هذه واحدة من أبسط الحقائق التي كثيراً ما تنساها السياسة.
العراقي ليس نسخة من طائفته.
اليوم، وبعد خروج التحالف، يحتاج العراق إلى شيء أكبر من الاحتفال بالسيادة.
يحتاج إلى الثقة.
الثقة بين بغداد وأربيل.
الثقة بين العرب والكرد.
الثقة بين السنّة والشيعة.
الثقة بين الدولة ومواطنيها.
والثقة بأن المسيحي والإيزيدي والتركماني لن يكونوا أول من يدفع الثمن عندما تهتز المعادلة السياسية.
العراق لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد بمنطق «من يملك القوة يملك القرار».
فهذا المنطق، مهما تغيّرت أسماء أصحابه، سيعيد إنتاج المشكلة نفسها.
والبلد الذي عاش طويلاً تحت ضغط السلاح والاحتلال والإرهاب والتدخلات الخارجية، يستحق فرصة مختلفة.
فرصة يصبح فيها اختلاف العراقيين جزءاً من قوة بلدهم، لا سبباً لخوف بعضهم من بعض.
ربما تكون هذه هي اللحظة التي ينبغي فيها أن يسأل العراقيون أنفسهم سؤالاً بسيطاً:
ماذا نريد من الدولة بعد أن غادر التحالف؟
إذا كانت الإجابة دولة تحمي الجميع، فالمهمة واضحة، وإن كانت صعبة.
أما إذا كان المطلوب أن ينتقل العراق من نفوذ خارجي إلى نفوذ داخلي يفرض نفسه بالقوة، فالمشكلة لم تنتهِ؛ لقد تغيّر عنوانها فقط.
السيادة ليست أن يغادر الأجنبي وحده.
السيادة أن يشعر المواطن أن مستقبله لا يحتاج إلى موافقة عاصمة أخرى، وأن أمنه لا يتوقف على قربه من حزب أو فصيل أو زعيم، وأن حقوقه لا تتبدل عندما تتبدل موازين القوة.
وفي العراق، لا يمكن بناء هذه السيادة على حساب أحد.
لا على حساب الكرد، الذين لهم تاريخهم وتضحياتهم وخصوصيتهم وحقوقهم الدستورية.
ولا على حساب السنّة، الذين لهم أيضاً تاريخهم ومناطقهم وذاكرتهم ومخاوفهم.
ولا على حساب الشيعة، الذين يمثلون الغالبية ويجب أن تكون لهم مكانتهم الطبيعية في إدارة بلدهم من دون أن تتحول الغالبية إلى سبب لقلق الآخرين.
ولا على حساب المسيحيين والإيزيديين والتركمان وسائر المكونات.
العراق الذي يستحق أن يبقى هو العراق الذي لا يضطر فيه أحد إلى حماية هويته بالخوف.
فالدولة الحقيقية ليست التي تجعل مواطنيها متشابهين.
بل التي تجعل اختلافهم آمناً.
وفي بلد مثل العراق، ربما تكون هذه أعقد مهمة سياسية وأخلاقية في المرحلة المقبلة:
أن يبقى العراق عراقاً للجميع، لا أن يصبح انتصار طرف فيه هزيمةً لبقية الوطن.
فالتحالف رحل.
والاختبار الآن عراقي بالكامل.
ومن هذه اللحظة، لن يكون السؤال من يحمي العراق من الخارج.
السؤال الأصعب سيكون:
هل يستطيع العراقيون أن يحموا فكرة العراق من الداخل؟